محمد حسين علي الصغير

122

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

نلحظ أن البطش واقع لا محالة ، ومن قبل اللّه سبحانه وتعالى ، فهو جار على حقيقته ، وهذا هو المثبت ، فالبطش إنما يقع حقيقة في اليد ذات الطول والقوة والتحطيم ، فإذا أريد به المجازية نقلناه إلى المعنى الذي يصدر عادة من الجوارح ، وهو هنا - واللّه العالم - ليس كذلك إذ لا يصدر عن يد ، ولا يخرج من جارحة ، فاللّه منزه عن الجوارح ، بدلالة عقلية وهنا يأتي الإثبات محل الإشكال ، فهو بطش لا كالبطش المعتاد ، وانتقام لا كالانتقام المتعارف ، وهو واقع دون شك ، ولكن بغير الأدوات المعتادة ، وإذا كان واقعا فالإثبات فيه حاصل ، بل وأكثر من ذلك فقد أسند للبطشة الكبرى ليشمل جميع أصناف البطش ، ويستوعب أشد نماذجه وأقساها ، فهو كبير من كبير ، وليس مما اعتاده البشر ، ولا سمع به الناس ، ويكفي في الدلالة على غير ذلك نسبته إلى ذاته القدسية ( إنا منتقمون ) لتأكيد صرامة هذا البطش ، وقوة هذه الإرادة ، دون استعمال الوسائل المعتادة في البطش البشري ، بل فوق تصور الإنسان ، بل وليس في مقدوره الإحاطة بكنهه المتطاول ، وقد جاء في إثباته من الوعيد الصارم ، والترهيب القاطع ما هو جلي عند أهل اللسان . إن هذه الملاحظة لا يمكن أن تنسب إلى اللغة في دلالتها ، وإنما يرجع فيها إلى العقل في إشارته وتوجيهاته في الحمل على الإرادة المجازية في النظر العقلي . ج - وقد تنقلب الحال فيقع المجاز في المثبت ، وتكون الحقيقة في الإثبات ، فمثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ / 6 / / 122 « 1 » . ويعقب عبد القاهر على ذلك ، ويعده من باب المجاز اللغوي بناء على قاعدته السابقة : إذا وقع في الإثبات فالمجاز عقلي ، وإذا وقع في المثبت فالمجاز لغوي ، يقول : « وذلك أن المعنى واللّه أعلم ، على أن جعل العلم والهدى والحكمة

--> ( 1 ) الأنعام : 122 .